the European Union
the European Union

التعاون اللامركزي كآلية للتنمية داخل الاتحاد الأوربي

سنحاول التطرق فقط للتوأمة بين الجماعات الترابية في أوربا على اعتبار الدور الهام الذي كان لها في تحقيق الاندماج والوحدة الأوربية في الصيغة التي عليها اليوم. فما المقصود بالتوأمة أولا؟ وكيف ساهمت في بناء أوربا؟ وكيف عملت أوربا على تشجيع التوأمات ودعمها؟ تلك هي أبرز الأسئلة التي ستؤطرنا في هذا الموضوع.

 حسب مجلس جماعات وجهات أوربا (CCRE)، التوأمة هي عبارة عن تجمع جماعتين من أجل العمل المشترك، في سياق التوجهات الأوربية، لمواجهة مشاكلهم وتوطيد أواصر الصداقة فيها بينهم[1].

يتضح من خلال هذا التحديد، أن التوأمات في أوربا كعلاقات تعاونية بين الجماعات الترابية مؤطرة ومحكومة بتوجهات كبرى تبدأ بأوربا وتنتهي بها. وعليه، فقد ساهمت التوأمات منذ أكثر من خمسين عاما، مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، في إقامة علاقات قوية بين العديد من المدن الأوربية[2]، وتحقيق الالتقاء بين أنماط مختلفة من العيش وتنمية العلاقات بين أفراد بثقافات متباينة، الشيء الذي أعطى للتوجه الأوربي بعدا واقعيا وملموسا دون أية وساطات.

وعليه، يتبين أن تقارب الجماعات فيما بينها ليس أمرا جديدا، بل جاء مواكبة لتطور المجموعة الأوربية، وازداد اتساعه وأهميته باتساع الاتحاد الأوربي وانضمام دول جديدة إليه. واليوم هناك ديناميكية كبيرة تشهدها التوأمات في أوربا وتشارك فيها الجماعات بكل نشاط.

المحور الأول: دور التوأمة في الفضاء الأوربي.

      شكل تشجيع مشاركة المواطنين في البناء الأوربي والعمل على تسهيل التقارب فيما بينهم، انشغالا دائما لكل المؤسسات الأوربية، فخلق الاتحاد الأوربي اعتبر تأسيسا وتأكيدا في الوقت نفسه على حريات وحقوق جديدة لكل المواطنين، ليس فقط باعتباره فردا داخل الدولة، ولكن باعتبار وجوده على المستوى المحلي الذي ينتمي إليه (جماعة، عمالة أو إقليم، جهة). وأن التوأمة تعطي بعدا إنسانيا لأوربا الحالية وتسمح بالاستفادة من الإمكانيات التي توفرها ”أوربا بدون حدود” (L’Europe sans Frontières)[3].

فالتوأمات باعتبارها نشاطا إراديا لهذه الأخيرة، لم تأخذ إطارها الشكلي إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك كنهج قائم على تحقيق التقارب بين المواطنين بدلا عن الكراهية والتعصب اللذان تسببا في صراعات دموية كثيرة، وكذلك كضمان لفضاء أوربي تسوده الوحدة والسلام. وإن الحصول على أوربا موحدة لا يمكن أن يتم دون المشاركة الفعلية والمباشرة للجماعات الترابية، ومن أجل ذلك أخذت العلاقات بين الجماعات بعدا سياسيا لا يمكن إنكاره، وهو البعد الذي ما زال يميز التوأمة عن العلاقات الدولية الأخرى للجماعات الترابية ( اتفاقيات اقتصادية، اتفاقيات تعاون…)

      في سنة 1951، أسس خمسون عمدة أوربيا ”مجلس جماعات وجهات أوربا”، وعيا منهم أن التفاهم بين الشعوب الأوربية يتطلب المعرفة المتبادلة، حتى يتسنى تحقيق التضامن والمصالحة فيما بينهم، وتعتبر الجماعة الفضاء المناسب والأمثل لتواصل الأمم الأوربية فيما بينها وذلك لسببين: أولهما لكون المستويات المحلية مستويات معروفة لدى كل الدول الأوربية (نتحدث على المستوى الهيكلي والتنظيمي)، وثانيا لكون التسيير الجماعي يهم الحياة اليومية للمواطنين، هذا بالإضافة إلى اعتبار الفضاء المحلي مجالا ملائما لتحقيق الديمقراطية على المستويين التمثيلي[4] والتشاركي[5].

استنادا إلى تلك المعطيات، عرفت اتفاقيات التوأمة في أوربا تزايدا لم تجد معه المجموعة الأوربية بدا من دعمه ومواكبته، وهكذا، وحسب إحصائيات نشرت من قبل مجلس جماعات وجهات أوربا سنة 1991 همت اتفاقيات التوأمة أكثر من 7500 جماعة، وذلك بحوالي 8500 اتفاقية، موزعة كما يلي[6]:

  • ألمانيا: 2200 جماعة متوأمة؛
  • فرنسا: 2100 جماعة متوأمة؛
  • بريطانيا: 1250 جماعة متوأمة؛
  • إيطاليا: 450 جماعة متوأمة؛
  • إسبانيا: 300 جماعة متوأمة؛
  • هولندا: 250 جماعة متوأمة؛
  • حوالي 650 جماعة للبرتغال، اليونان، إيرلندا، لكسمبورغ، سويسرا والنمسا.

إن الغرض من عرض هذه الاحصائيات، رغم قدمها، هو الدلالة على دورها في تكريس روابط التعاون والشراكة بين كل المكونات المحلية التي يتشكل منها الاتحاد الأوربي، خاصة في تلك الفترة التي تزامنت مع نهاية المعسكر الشرقي وبداية بحث أوربا عن موقع ريادي جديد في عالم أصبح أحادي القطبية.

فكيف ساهمت التوأمات إذن في بناء وتقوية الاتحاد الأوربي؟

لاشك أن هناك اتصالا وثيقا بين مفهوم ”أوربا المواطنين، L’Europe des Citoyens” المعلن من قبل المجموعة الأوربية من أجل جعل المواطن محور التنمية، تنطلق منه وتعود إليه، ومفهوم التعاون بين المواطنين، تلك هي المقاربة الأوربية لدور التوأمات: تشجيع المبادلات، ودعم الحوار لتحقيق التلاحم بين شعوب أوربا،…إلخ أوربا التي كانت تبدو قبل التوقيع على اتفاقية ”ماستريخت[7] مفهوما واسعا وفضفاضا، وبغية تجاوز العقبات المرتبطة بهذه الصفة وتعزيز المكاسب المحققة، وعت المؤسسات الأوربية والدول الأعضاء فيها بأهمية التوأمات في تحقيق الاندماج الأوربي.

وهكذا، نجد أن جل اتفاقيات التوأمة في أوربا تشير إلى أن الهدف من إبرام تلك الاتفاقيات هو جعل أوربا موحدة. يتعلق الأمر بالسعي إلى وضع كل الخلافات والأحكام المسبقة جانبا، ودعم روح التواصل بين المواطنين من ثقافات وجنسيات أوربية مختلفة[8]، على اعتبار أن التوأمة تعتبر وسيلة مناسبة لتحقيق التواصل وتقاسم الخبرات والاستفادة من بعض الحريات المنصوص عليها في المعاهدات الأوربية، كحرية حركة الأشخاص والبضائع والخدمات. وفي هذا السياق، لعبت المدن دورا بارزا، ذلك أن عقد التوأمات فيما بينها وسع من مجال المبادلات ووفر إطارا قويا لتحقيق التقارب بين المواطنين، ولعل هذا هو ما قصده Jean Monnet، وهو أحد مهندسي المجموعة الأوربية حينما قال:” نحن لا نجمع بين الدول، بل نوحد بين الناس” .[9]هذا، وقد ساهمت المدن الأوربية مساهمة كبيرة في إنشاء السوق الداخلي، عندما تجاوزت علاقاتها البعد الإنساني إلى اتخاذ بعد اقتصادي،  من خلال فتح الحدود لتنقل الأشخاص والرساميل، وهو ما خلق تعاونا بين مقاولات وهيئات صناعية من مدن أوربية مختلفة.

في ظل تلك التوجهات، كان لزاما على الدول الأوربية إقامة هياكل مؤسساتية لضمان التوازن والاستمرارية  في علاقات التوأمة، وهكذا ساهمت مجموعة من المؤسسات في تطوير علاقات التوأمة بين المدن الأوربية، وتتمثل تلك المؤسسات فيما يلي:

  • لجنة التوأمة:

عموما تتخذ لجنة التوأمة شكل جمعية، وتتجلى أهدافها في بلورة برامج التبادل والتنسيق بين أطراف الاتفاقية، وتقييم الآثار المالية فيما يتعلق بمصاريف التنقل والاستقبال، إلى جانب ذلك تعتبر اللجنة قناة الاتصال الرئيسية بين مواطني المجموعة الأوربية، وتعمل على ضمان استمرار المبادلات في حالة حدوث تغيرات سياسية محلية، وبه يتضح أن التعاون الخارجي في أوربا أصبح متجاوزا للإطار العام للدولة، ويمكنه أن يساهم في إحداث دينامية على المستوى الدبلوماسي، وتحقيق أهداف لصالح الدولة، والتي يمكن أن تعجز هذه الأخيرة عن تحقيقها على مستوى وزارتها في الخارجية.

  • مجلس جماعات وجهات أوربا: ( C.R.E).

أحدث مجلس جماعات وجهات أوربا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك سنة 1951 ويضم اليوم أكثر من 30000 جماعة ترابية، وقد حددت أهدافه فيما يلي:

  • تقوية الاستقلال الجماعي والجهوي؛
  • تسهيل نقل الخبرات والمعارف بين الجماعات الترابية؛
  • مناقشة المشاكل والأسئلة التي تطرحها الجماعات الترابية مع كل المؤسسات الأوربية؛
  • تقوية التوأمات؛
  • التوعية بأهمية الهوية الأوربية؛

وابتداء من سنة 1993 أصبح المجلس يقوم بدور تهيئة الجماعات الترابية للإنخراط في السوق الأوربي، هذا علاوة على دعم وتقوية الديمقراطية خاصة بأوربا الوسطى والشرقية، بالإضافة إلى العمل على تحقيق التقارب بين المنتخبين المحليين من خلال تنظيم ندوات واجتماعات وعقد مؤتمرات بين الجماعات الترابية المتوأمة.

مكتب الشبيبة الفرنسي الألماني.

أحدث مكتب الشبيبة الفرنسي الألماني سنة 1993،  وذلك مباشرة بعد التوقيع على اتفاقية التعاون الفرنسي الألماني، وقد أنيط بهذا المكتب مهمة بلورة صيغ لتطوير العلاقات الفرنسية الألمانية بالتركيز على فئات الشباب، وتشجيع المبادلات والزيارات المدرسية بين المدن الفرنسية والألمانية، ومحاولة الجمع بين الشباب الذي يشتغل وذاك الذي يعاني البطالة، بغية تحقيق الاندماج وتعميق المعرفة في الحياة المجتمعية.

إذا كانت اتفاقيات التوأمة بين المدن الأوربية إذن، قد ساهمت بشكل كبير في تحقيق الوحدة الأوربية، فكيف شجعت أوربا عقد التوأمات وضمان عملها واستمرارها؟ ذلك هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في الفقرة الموالية.

المحور الثاني: الاتحاد الأوربي في خدمة التوأمات.

      منذ عدة سنوات اهتمت المجموعة الأوربية بالعلاقات بين المدن الأوربية من خلال التوأمات المبرمة فيما بينها، ذلك أن هذه الأخيرة تعد ضمانة أساسية لتأمين مشاركة المواطنين وممثليهم في المجالس المحلية في بناء الاتحاد الأوربي.

الاهتمام  الأوربي بالتوأمات بين الجماعات الترابية ترجم على مستوى تخصيص جائزة رمزية ” النجوم الذهبية للتوأمة Les Etoiles d’Or du Jumelage” التي تمنح من قبل المجموعة الأوربية لأحسن توأمة تسير وفق ما تم تسطيره لها في الاتفاقية المنشئة لها، وكذلك للتوأمات التي تميزت في الوفاء بالتزاماتها اتجاه تحقيق التكامل الأوربي من خلال التقريب بين مواطني الجماعتين التوأم[10]. و يبقى الأهم من ذلك هو الدعم المالي الذي يتلقاه أطراف اتفاقية التوأمة تشجيعا من المجموعة الأوربية لهؤلاء على تنفيذ تلك الاتفاقية.

و بالاضافة إلى تشجيعها للتوأمات القائمة، عملت المجموعة الأوربية على تشجيع الجماعات المحلية على الانخراط في اتفاقيات توأمة جديدة. وفي هذا السياق سطر برنامج الاتحاد الأوربي للتوأمة هدفين أساسيين:

  • تعزيز وتعميق وتحسين نوعية برامج التوأمات القائمة؛
  • تشجيع المدن غير المتوأمة – وحتى المتوأمة- على إقامة علاقات مع الجماعات الترابية المتواجدة في الضواحي الأوربية و في بلدان أوربا الوسطى والشرقية

ولتشجيع المبادلات، دعمت المجموعة الأوربية الاتفاقيات التي تتناول مواضيع جديدة، وأعطت الأولوية للمواضيع التالية:

  • حماية البيئة؛
  • إعداد التراب والتعبير؛
  • الوقاية من الجنوح؛
  • محاربة المخدرات؛
  • محاربة البطالة؛

ورغم الإرادة القوية والتشجيعات الأوربية المستمرة، عانت، وتعاني التوأمات في أوربا من جملة من المشاكل من بينها التباعد الثقافي والاختلاف العرقي واللغوي، والاختلاف على مستوى العادات والتقاليد إلى غير ذلك. ولمواجهة تلك المشاكل تبنت المجموعة الأوربية إستراتيجية جديدة قامت على تقديم الدعم المالي للجماعات التي لم تستطع إبرام التوأمات، حتى تعمل على مواجهة العوائق التي حالت دون انخراطها في اتفاقيات توأمة، وذلك من أجل تشجيعها على البحث على إقامة علاقات مع جماعات أخرى.

[1] – Catherine Claeysen : Les jumelages et l’Europe, In: Annuaire des collectivités locales. Tome 19, 1999. P 125.

(disponible sur : http://www.persee.fr/articleAsPDF/coloc_0291-4700_1999_num_19_1_1333/article_coloc_0291-4700_1999_num_19_1_1333.pdf)

[2] – ارتبطت التوأمة وحركية المدن بالمواجهات العالمية التي طبعت القرن العشرين، وذلك عندما نشأت علاقات بين جماعات من الجنوب الفرنسي وأخرى من الشمال البريطاني، وبين أخرى سويدية وفنلندية، ثم تكاثرت أعمال التوأمة بعد الحرب العالمية الثانية نظرا لبروز أهميتها، رغم أنها ارتكزت على أساس خطاب رومانسي إنساني ينظر إلى الجماعات المحلية كآلية لدعم السلام بأوربا خلف الحدود السياسية للدول.

[3] – Les Etoiles d’Or du Jumelage, actions primés par la commission européenne en 1993 à Strasbourg octobre 1993 P. 3

[4] – يقصد بالديمقراطية التمثيلية ذلك الأسلوب التقني الذي يستند إلى صناديق الاقتراع، حيث يعمد المواطنون إلى انتداب من يمثلهم في المجالس النيابية وفي المجالس المحلية.

[5]– يقصد بالديمقراطية التمثيلية، ذلك الأسلوب التدبيري الذي يستند إلى إشراك المواطنيين/المرتفقين في اتخاذ القرار على الصعيدين الوطني والمحلي، وتعد تجربة ‘ريو دي جانيرو” تجربة رائدة في هذا المجال، كما أن الدستور المغربي لسنة 2011 قد سعى إلى تكريس الديمقراطية التشاركية من خلال تنصيصه على إحداث هيئات لتولي تلك المهمة. تراجع الفصول 168-169-170-171 من دستور سنة 2011.

[6] – Voir : Catherine Claeysen : Les jumelages et l’Europe op. Cit. P. 127

[7] –  معاهدة ماستريخت هي الاتفاقية الموقع عليها من قبل المجلس الأوربي في مدينة ماستريخت الهولندية في دجنبر 1991، والتي أدخلت عدة تغييرات على القوانين الأوربية. وقد دخلت حيز التنفيذ في الفاتح من نونبر سنة 1993.

[8] – Catherine Claeysen : Les jumelages et l’Europe op. Cit. P. 129.

[9] – voir : Catherine Claeysen : Les jumelages et l’Europe op. Cit. P.127

[10] – Catherine Claeysen : Les jumelages et l’Europe op. Cit. P. 133.

عن law-eco

شاهد أيضاً

المرفق العام من التدبير الإداري إلى التدبير التنموي.

مقدمة: نهجت دول العالم الثالث بعد حصولها على استقلالها النهج التدخلي بالرغم من أنها اتبعت …

الفاعلون في بلورة وصياغة السياسات العمومية

بحث حول الفاعلون في بلورة وصياغة السياسات العمومية بالمغرب. لتحميل البحث من هنا 0 Comments*Enter …

تحديد اختصاصات الجماعات الترابية في التجارب المقارنة.

طرق تحديد اختصاصات الجماعات الترابية في التجارب المقارنة. في إسبانيا : أقر دستور 27 دجنبر …

%d مدونون معجبون بهذه: