المراقبة الإدارية على الجماعات الترابية

في إطار نظام لامركزي ودولة “موحدة” لا يمكن تصور وجود “دول داخل الدولة” بمعنى أن مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية لا يمنحها حرية “الحكم” بل حرية في “التدبير” فقط وفق ضوابط معينة وضمن الصلاحيات المحددة لها. وتخضع في ذلك للمتابعة من المركز من خلال ممثليه محليا.[1]

وفي هذا السياق نص الفصل 145 من الدستور المغربي لسنة 2011 على “المراقبة الإدارية” على الجماعات الترابية باعتبارها من صلاحيات ممثلي الدولة على المستوى المحلي من ولاة وعمال.

المحور الأول: الإطار النظري لمفهوم المراقبة الإدارية:

تعود أصول ظهور هذا المبدأ إلى الدساتير الفرنسية بداية بدستور سنة 1946 في المادة 88 منه التي نصت على أن “مفوض الحكومة مسؤول عن المراقبة الإدارية على الجماعات الترابية.”.[2]

مرورا بالفصل الأول من دستور 1958 الذي يؤكد في فصله الأول على مبدأ “وحدة الدولة،” باعتبارها أحد ركائز الجمهورية، هذا إلى جانب الفقرة 6 من المادة 72 من ذات الدستور التي تقول أن “ممثل الدولة على المستوى المحلي يتولى تحت إشراف الحكومة حماية المصالح الوطنية والمراقبة الإدارية وضمان إحترام القوانين.”

على المستوى العملي لوحظ أن المراقبة المفروضة على أداء الجماعات الترابية بفرنسا “حدت” بشكل كبير من هامش “مبادرة” الهيئات المنتخبة حيث تحولت الى ما يشبه “الوصاية”، وهكذا تم تدشين ورش كبير لتطوير الإطار التشريعي للامركزية من خلال إصدار مجموعة من القوانين.

بداية بقانون 2 مارس 1982 مرورا بقانون 16 يوليوز 1982 وصولا إلى قانون 13 غشت 2004.

 والتي أكدت على مفهوم “الحريات المحلية” الذي وسع من صلاحيات واختصاصات الجماعات مع تقييد دور ممثل الدولة بجعله لا يتدخل إلا لضمان إحترام “الشرعية”. و حذف الوصاية الإدارية والمالية وتعويضها بالمراقبة الإدارية “البعدية” وتعزيز دور القاضي الإداري في البت في المنازعات التي قد تحدث في هذا الشأن.[3]

مع إلغاء الزامية تحويل القرارات المتخذة من المجالس المنتخبة الى ممثل الدولة للمصادقة عليها في مجموعة من المجالات والتي نذكر منها:

  • المداولات المتعلقة بتعريفات حقوق الطرق و مواقف السيارات.
  • إصلاح وتوسعة الطرق التابعة للجماعات.
  • قرارات الشرطة الإدارية المتعلقة بالسير و الجولان و مواقف السيارات.
  • القرارات الفردية المتعلقة بالترقية وشؤون العمال الموسميين…….

وهكذا فإن الملاحظ في تجربة اللامركزية بفرنسا أن نطاق تدخل ممثل الدولة محدد “حصرا”  في متابعة الجوانب “الإجرائية والقانونية” للمقررات المتخذة، دون التأثير على تنظيم الإدارة الداخلية للمجالس المنتخبة أو في صياغة الاختيارات و التوجهات التنموية للمجالس المنتخبة.

 

المحور الثاني: المراقبة الإدارية في التجربة المغربية.

متطلبات التنمية الترابية بالمغرب اليوم تحتم تجاوز مرحلة الوصاية الإدارية بمفهومها الضيق والتقليدي المتمثل في الرقابة السابقة ورقابة “الملائمة” المفروضة من ممثل الدولة و التي تعرقل وتعطل عمل الهيئات المحلية.

والذي يتطلب السرعة والمرونة لمواكبة التطورات الحاصلة في المجالات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، ومنح هذه الرقابة للأجهزة القضائية المختصة بشكل “بعدي”، والإكتفاء فقط بالتوجيه والمصاحبة وتقديم المساعدة.[4]

إلا أن قراءة مقتضيات القوانين التنظيمية للجماعات الترابية تعكس استمرار الطابع “الحذر” و”المحافظ” للسلطة المركزية تجاه تعزيز استقلالية اتخاذ القرار من المنتخبين المحليين في مقابل تعزيز صلاحيات ممثلي الدولة في هذا الباب.

بحيث تم الاحتفاظ للولاة والعمال بصلاحيات “واسعة” في “الوصاية” على أعمال مجالس الجماعات بأصنافها الثلاث: الجماعات الحضرية والقروية،الجهات والعمالات والأقاليم، وذلك  من خلال “إلزامية” الحصول على تأشيراتهم لتنفيذ مقرراتهم.

 والمتعلقة بمختلف اختصاصات الجماعات وإن كانت “ذاتية” كما تنص على ذلك مقتضيات المادة 115 من القانون التنظيمي للجهات[5]، ويتعلق الأمر بالمجالات التالية:

  • برامج التنمية الجهوية
  • التصميم الجهوي لإعداد التراب
  • إدارة الجهة وتحديد اختصاصاتها.
  • المقررات المتعلقة بالتدبير المفوض للمرافق العمومية الجهوية.
  • إحداث شركات التنمية الجهوية.
  • المقررات المتعلقة بالميزانية.

من جهة أخرى، نصت المادة 39 من القانون التنظيمي للجماعات[6] على إلزامية إدراج النقط الإضافية التي يقترحها عامل لعمالة أو الإقليم في جداول أعمال دورات المجالس الجماعية ليتم التداول في شانها.

 كما أن العامل و بموجب المادة 41 يمكنه التعرض على بعض نقط جدول الأعمال التي يعتبرها “لا تدخل في اختصاصات الجماعة أو صلاحيات المجلس.”

الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى حرية تداول المجالس المنتخبة في مختلف المواضيع والقضايا المتصلة بتدبير الشؤون المحلية دون تدخل من العامل في صياغة جداول الأعمال.

والتي من “الطبيعي” أن يكون إعدادها والتداول بخصوصها بشكل مستقل، بما يتناقض من مبدأ التدبير الحر حيث يغيب “واقعيا” أي مظهر من مظاهر الاستقلالية في التدبير المحلي والحد الأدنى منه المتمثل في حرية التداول.

“الأمر الذي يجعلنا نجزم أن المراقبة الإدارية و الوصاية وإن اختلفا نظريا من حيث التعريف والهدف إلا أنها في التجربة “المغربية” لا يختلفان كثيرا في “الوظيفة” المؤداة، حيث يستمر منطق وصاية الملاءمة والرقابة السابقة تحت “غطاء” عبارة المراقبة الإدارية.”

[1] – Tarik Zair Le principe de libre administration des collectivités territoriales Remald. Numéro 107. novembre-décembre 2012  p. 14

[2] – Conseil –constitutionnel.fr- les constitution dans l’histiore ,constitution de 27 octobre 1946

[3] – Jean François Brisson, Le contrôle de légalité dans la loi du 14 aout 2004 a la recherche des illusion perdues, AJDA, 2005, P 126

[4] – هشام مليح، “سؤال الحكامة الترابية بالمغرب”، مجلة مسالك عدد مزدوج 21- 22، 2012 ص 92

[5] – القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.83 بتاريخ 7 يوليو 2015، جريدة رسمية عدد 6585 بتاريخ 23 يوليو 2015.

[6] – القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.85 صادر في 7 يوليو 2015، جريدة رسمية عدد 6380 بتاريخ 23 يوليو 2015

 

شاهد أيضاً

المرفق العام من التدبير الإداري إلى التدبير التنموي.

مقدمة: نهجت دول العالم الثالث بعد حصولها على استقلالها النهج التدخلي بالرغم من أنها اتبعت …

تحديد اختصاصات الجماعات الترابية في التجارب المقارنة.

طرق تحديد اختصاصات الجماعات الترابية في التجارب المقارنة. في إسبانيا : أقر دستور 27 دجنبر …

acquis et limites de l’exercice du principe de libre administration.

المحتويات1 Section 1 :Aspects du renforcement du principe de la libre administration :2 Paragraphe 1 :Le principe de …

%d مدونون معجبون بهذه: