واقع وآفاق التخطيط الاستراتيجي بالجماعات الترابية

 يعتبر التخطيط الإستراتيجي أحد أهم مقومات وأسس التدبير العمومي الحديث، وفي هذا الإطار نص دستور 2011 على مصطلح السياسات العمومية ودور الجماعات الترابية في تفعيل السياسات العمومية للدولة وإعداد سياسات ترابية تحقق غايات واهداف التنمية الترابية المنشودة.

الأمر الذي يؤكد على أهمية تدبير الجماعات الترابية لشؤونها وفق منطق التدبير الإستراتيجي وعلى أساس أهداف وبرامج محددة، وتجاوز المنطق الحالي السائد الذي يتسم عموما “بالبدائية” في التخطيط والبرمجة وضعف المردودية، بشكل يجعل دورها التنموي أكثر نجاعة وفعالية ومن من مجالها الترابي أكثر تنافسية وقادرا على جذب للإستثمارات.

أولا: إكراهات التخطيط الترابي.

تواجه الجماعات الترابية عدة صعوبات على صعيد إعداد وتنفيذ مخططاتها التنموية. ذلك أن أغلبية الجماعات تفتقر إلى تصور “شمولي ومندمج” يأخذ بعين الإعتبار أولويات المواطنين وحاجياتهم في إطار تخطيط منهجي يرتكز على مقاربة توفق بين توظيف المؤهلات المتاحة، وتزايد وتنوع متطلبات الساكنة المحلية.[1]

بالتالي تغيب رؤية إستراتيجية واضحة لتدبير الجماعة وتلبية متطلبات ساكنتها، فلا يمكن تصور تحقيق أي من الأهداف التنموية في غياب خطط أو استراتيجيات لتحقيقها، وإن وجدت هذه المخططات فإنها لا تنفذ على النحو المطلوب بالنظر إلى مجموعة من المعيقات والاكراهات.

فالمخططات التنموية التي عمدت بعض المجالس الجماعية إلى تنفيذها إتسمت بعديد من السلبيات تهم مراحل التشخيص والإعداد في المقام الأول، وهي المراحل الأكثر أهمية في إعداد المخططات التنموية “الرامج التنموية”. وهكذا فإن بعض الجماعات أعدت مخططاتها في غياب برمجة واضحة ومضبوطة للمشاريع  والبرامج التنموية المتوقع تنفيذها.

فيتم إنجاز بعضها دون الأخرى أو برمجة مشاريع تتعارض مع ما تم تسطيره ضمن المخطط أو بموجب مقررات المجلس الجماعي. أو يتم إنجاز بعض المشاريع في غياب دراسات جدوى أو تشاور مع المعنيين المباشرين بها أو في غياب الإمكانيات الكافية، مما يترتب عنه عدم الإستفادة الفعلية منها.[2]

فالملاحظ أن الجماعات الترابية تعاني من ضعف كبير على مستوى التشخيص، بالنظر إلى إفتقار الجماعات لبنوك معلومات أو مراصد لجمع وتحليل ومعالجة مختلف المعطيات الضرورية المتصلة بمختلف مناحي التدبير اليومي للجماعات الترابية.

مما يعني غياب معطيات دقيقة و”موثوقة” يمكن الإنطلاق منها لتشخيص الوضعية وتحديد الحاجيات بدقة، كما لا توجد أجهزة أو مكاتب للتقييم للوقوف على مستوى نجاعة التدخلات التنموية وتتبعها بشكل دوري لتحديد السلبيات للعمل على تجاوزها أو الإيجابيات للبناء عليها.[3]

هذا بالإضافة، إلى عدم شمولية بعض المخططات المنجزة لمختلف ميادين تدخل الجماعات الترابية وتغييبها الرؤية الإستراتيجية بعيد المدى، وعدم تحيينها من خلال وضع تصور واضح للأهداف المزمع تحقيقها من طرق الجماعة مع الأخذ بعين الإعتبار المعطيات الجديدة المرتبطة بوضعية الجماعة.[4]

خاصة على المستوى المالي الذي يعد أساس أي مخطط استراتيجي، ذلك أن بعض الجماعات تفتقد إلى برمجة دقيقة للإعتمادات وأوجه إستثمارها والتفاوت الكبير بين المداخيل والنفقات وهو ما ينطبق على المتوقع والمنجز فعليا.[5]

حيث يعزى في أغلب الأحيان عدم نحاج المخططات والبرامج التنموية إلى غياب الإمكانيات المالية الكافية أو عدم تقدير تكلفة المشاريع بالشكل الدقيق الأمر الذي يجعل أغلبها يتعثر بعد البدء بإنجازها.

كما أنها تبقى غير متحكمة بصفة مباشرة في مواردها المالية والذاتية منها تحديدا، خاصة وأن إعداد المخططات الإقتصادية والإجتماعية يتطلب القيام بدراسات سابقة ولاحقة لفترة المخطط، ومنها الدراسات المالية لمعرفة حجم الإمكانيات الممكن رصدها للعمليات التنموية.[6] بالنظر إلى أن غالبية موارد الجماعات إما محولة لها من الدولة أو تتولى هذه الأخيرة تدبيرها.

إلى جانب ذلك، تغيب المقاربة التشاركية في إعداد المخططات التنموية سواء تعلق الأمر بالتعاون والتعاضد بين الجماعات من حيث الموارد والوسائل [7] بالنسبة للمشاريع الكبرى والمهيكلة. أو بإشراك المجتمع المدني كذلك، حيث يستمر تغييب المواطنين عن المساهمة الفعلية في إعداد هذه المخططات.

خاصة من حيث عدم إشراكهم في مرحلة التشخيص، على الرغم من كونهم الأقدر على التحديد الدقيق لمتطلباتهم الضرورية وماهية التجهيزات والخدمات التي يحتاجونها أو تلك التي تتطلب التأهيل والتطوير.

وعلى صعيد آخر تبقى الجماعات الترابية متأخرة كثيرا في توظيف التكنولوجيا والتقنيات الحديثة التي يمكن الإستفادة منها عبر إحداث نظم معلوماتية خاصة بها لإعتمادها في دراسة مخططاتها والتحضير لبرامجها التنموية وفق المعايير الحديثة للتدبير.[8]

كما يسجل عدم كفاية ما يتلقاه الموظفون من تكوين وتأهيل في ميادين صياغة وتنفيذ برامج التنمية، وهو ما يؤدي بالضرورية إلى إنجاز المشاريع بجودة متدنية لغياب دراسات تقنية بالمعايير المتعارف عليها. وهو طبعا ما ينطبق على المنتخبين المحليين والذين يفتقد غالبيتهم لأبسط مقومات وأساسيات التخطيط.[9]

بالتالي وكخلاصة عامة في هذا الشأن، فان “الإرتجال” و”العشوائية” يبقيان طابعا عاما لأعمال تحضير المخططات سواء في تشخيص الواقع ورصد الإمكانيات المالية والتقنية أو لإختيار المشاريع واللإستثمارات الممكن إنجازها في مختلف الميادين، الأمر يصعب معه تحقيق النتائج الإيجابية المرجوة .[10]

في ظل إفتقاد منهجية محددة وواقعية للتدخل في إطار مقاربة مندمجة وتشاركية يساهم فيها مختلف الفاعلين المحليين في عملية إعداد وتنفيذ وتبع المخططات التنموية الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى عدم الالتزام الفعلي بمضامينها.[11]

 ثانيا: أهمية التخطيط الإستراتيجي.

يعد التخطيط الاستراتيجي الركيزة الأولى للتدبير حيث يمكن من كشف الحاجيات الآنية والمستقبلية، كما يعتبر منهجا فعالا لترشيد وعقلنة التوجهات التنموية وتوجيهها توجيها سليما وفق برنامج محكم، يمكن من الإحاطة بالمجال ككل وعدم تجزيئ البرامج الموجهة له مع الإنسجام التام مع البرامج القطاعية المعتمدة من طرف الدولة.[12]

بالتالي فان تدبير الجماعات الترابية لشؤونها يجب أن يكون وفق إستراتجيات وخطط محكمة بعيدة المدى عوض مشاريع ظرفية غير ذات جدوى للمواطنين، وهو ما يحتم عليها إعتماد “سياسات عمومية” في مجالات إختصاصها، مع العمل على تقييم تدخلاتها بشكل دوري لضمان نجاعة ما تنجزه من برامج ومشاريع.

وحسب مقتضيات دستور 2011 وتحديدا الفصل 137 منه، لم يعد إعتماد سياسات عمومية حكرا على الدولة، ذلك أن الجماعات الترابية ملزمة اليوم “بإعداد سياسات عمومية في مجالات إختصاصاتها وتفعيل السياسات العمومية للدولة.”

الأمر الذي يحتم عليها بإعتبارها أحد أهم الفاعلين على المستوى الترابي نهج مقاربة جديدة أكثر شمولية في تدبير شؤونها، ترتكز على إعداد برامج تنمية محكمة تحدد بدقة متطلبات المواطنين والآليات والوسائل الكفيلة بتلبيتها.

فحجم التحديات والرهانات اليوم يفرض عليها تبني منهجية عمل جديدة تتضمن صيغا متطورة في التنظيم والتدبير وفق رؤية إستراتيجية وتوقعية، تستشرف المستقبل وتضع آليات للتعامل مع المتغيرات والتحولات. وتعكس إختياراتها التنموية وإنتظارات المواطنين.[13]

بالتالي فإن التدبير الإستراتيجي الترابي يتطلب في المقام الأول إعداد تصور عام يشخص وضعية الجماعة داخليا وخارجيا على المستويات الإقتصادية والإجتماعية والبيئية و يحدد نقاط القوة والضعف والفرص والمخاطر.

ومن خلال هذا التشخيص يمكن إعتماد رؤية إستراتيجية لمستقبل المجال الترابي سواء من ناحية التنمية الإقتصادية والإجتماعية أو من ناحية التهيئة العمرانية بما يتوافق مع التوجهات الوطنية والجهوية لتهيئة المجال.[14]

وتبقى التصاميم الجهوية لإعداد التراب المنصوص عليها في الفصل 143 إحدى الآليات المهمة التي يمكن توظيفها في هذا الشأن، حيث تهدف إلى تحقيق التوافق بين الدولة والجماعات حول تدابير تهيئة المجال وتأهيله وفق رؤية إستشرافية بما يسمح بتحديد توجهات وإختيارات التنمية الجهوية.[15]

مع الأخذ بعين الإعتبار خصوصيات ومتطلبات كل جماعة من الجماعات داخل الجهة وبشكل يتوافق مع التدابير والخطط التي تتضمنها برامج التنمية التي تعدها. كما ينبغي ربط التخطيط الجماعي بالسياسات العمومية الوطنية ومشاريع مختلف القطاعات الوزارية وذلك في إطار تعاقدي يحدد الأهداف واليات تحقيقها.

وهكذا فإن أي رؤية مستقبلية للتراب الجماعي تفرض وجود توافق في الخطط بين الجماعات الترابية بشكل عام وبين الدولة وبقية الفاعلين من مؤسسات عمومية أو قطاع خاصة بما يضمن تلبية إنتظارات وحاجيات السكان.[16]

[1] – أحمد بوعشيق، الحكامة المحلية على ضوء الميثاق الجماعي الجديد، مجلة رسالة الجماعات المحلية، ص 12، عدد 13، 2005

[2] – تقرير المجلس الجهوي للحسابات بمراكش، 2012، ص 100

[3] – خلاصات اليوم الدراسي حول تقييم وتثمين آليات مواكبة المخططات الجماعية، المديرية العامة للجماعات المحلية، الرباط،2013.

[4] – تقرير المجلس الجهوي للحسابات بمراكش ،مرجع سابق، ص 101

[5] – ِCollogue Internationale sur les finances publiques , sous le thème: ” L’Etat territoriale au Maroc et en France: quelles synergies entre les finances de l’état et les finances des collectivités territoriales ” Ministère de l’économie et de finance, Rabat 12 septembre 2014,  p 12.

[6] – محمد بوجيدة،  468 تداخل اختصاصات الدولة والجماعات المحلية بين القانون والممارسة العملية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 78 ،2008.

[7] – تقرير المجلس الجهوي للحسابات بالرباط 2012 ، ص 168.

[8] – محمد بوجيدة، محاضرات في مادة السياسات العمومية، ماستر التدبير الإداري المحلي، كلية الحقوق سلا 2013- 2014

[9] – Colloque Internationale sur les finances publique sous le thème «  Cohérence des finances publiques au Maroc et en France , Ministère de L’économie et de Finance, RABAT 10 septembre 2011,p 11.

[10] – محمد بوجيدة،  مرجع سابق، ص 469

[11] – ندوة تقييم وتثمين آليات مواكبة المخططات الجماعية، مرجع سابق

[12] – حميد قستلي،  حكامة المدن: نحو مستقبل حضري أفضل، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2013  ص 81.

[13] – Fatima chahid, Territorialisation des politiques publiques, Remald n 63, 2005, P 176.

[14] – Guide Méthodologique pour l’élaboration des stratégiques de développement urbain , Ministère de l’intérieur , Direction générale des collectivités locales, 2013, P 18

[15] – القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.83 بتاريخ 7 يوليو 2015، جريدة رسمية عدد 6585 بتاريخ 23 يوليو 2015

[16] – دليل المخطط الجماعي للتنمية، ص 23

شاهد أيضاً

المرفق العام من التدبير الإداري إلى التدبير التنموي.

مقدمة: نهجت دول العالم الثالث بعد حصولها على استقلالها النهج التدخلي بالرغم من أنها اتبعت …

تحديد اختصاصات الجماعات الترابية في التجارب المقارنة.

طرق تحديد اختصاصات الجماعات الترابية في التجارب المقارنة. في إسبانيا : أقر دستور 27 دجنبر …

acquis et limites de l’exercice du principe de libre administration.

المحتويات1 Section 1 :Aspects du renforcement du principe de la libre administration :2 Paragraphe 1 :Le principe de …

%d مدونون معجبون بهذه: